هل يمكن أن يخلّد التاريخ صوت رجل، بينما تغيب سيرته عن ذاكرة الأجيال؟
هذا
السؤال يفرض نفسه عند الحديث عن الشيخ عباس بن محمد الذويبي الثبيتي العتيبي،
الشهير باسم عباس مقادمي، أحد أبرز رواد المدرسة الحجازية في تلاوة القرآن الكريم،
وصاحب مدرسةٍ قرآنية أثرت في أجيال من القراء داخل المملكة العربية السعودية
وخارجها، إلا أن سيرته لم تحظَ بما تستحقه من توثيق وإبراز، رغم ما قدمه من خدمات
جليلة لكتاب الله.
ولد الشيخ عباس في مكة المكرمة عام 1342هـ الموافق 1921م، وولد
مبصرًا، إلا أنه أصيب بمرض الجدري وهو في الثالثة من عمره، ففقد بصره في زمن لم
تكن فيه وسائل العلاج متاحة كما هي اليوم. لكن الله سبحانه وتعالى عوضه ببصيرة
نافذة، فجعل القرآن الكريم نور حياته، وحفظه صغيرًا، ثم تلقى علوم التجويد
والقراءات على أيدي كبار علماء وقراء مكة المكرمة، حتى أصبح أحد أعلام التلاوة في
المملكة العربية السعودية.
وينتمي الشيخ عباس إلى قبيلة عتيبة، من بني سعد، وهي قبيلة عُرفت عبر
تاريخها برجالها وفرسانها وأهل العلم فيها. وقد سطر صفحة مشرقة في تاريخها، ولكن
هذه المرة لم تكن بالسيف ولا بالشعر، وإنما بخدمة كتاب الله، حتى أصبح اسمه
مقرونًا بالمدرسة الحجازية التي امتازت بجمال الأداء، ودقة المقامات، والإتقان في
علوم التجويد والقراءات.
ولم يكن الشيخ عباس صاحب صوت جميل فحسب، بل كان عالمًا بالقراءات،
ومقرئًا تتلمذ على يديه عدد من طلاب القرآن، وعُرف بإتقانه للقراءات وأسلوبه
المتفرد في الأداء الحجازي، حتى أصبح مرجعًا عند أهل الاختصاص، وواحدًا من أبرز من
حملوا هذا الإرث القرآني الأصيل.
وكان من أوائل القراء السعوديين الذين سجلوا تلاواتهم للإذاعة
السعودية، كما كان أول من سجل لإذاعة القرآن الكريم التابعة لأرامكو، في وقت كانت
فيه الإذاعة تمثل نافذة العالم الإسلامي لسماع أصوات كبار القراء. وقد أسهمت تلك
التسجيلات في حفظ جانب مهم من تراث المدرسة الحجازية ونقله إلى الأجيال اللاحقة.
ومن أبرز محطات حياته اختياره من قبل الشيخ محمد علي زينل، مؤسس مدارس
الفلاح ، للمشاركة في مهمة تعليمية في الهند، حيث أمضى عدة سنوات في تعليم القرآن
الكريم ونشر علومه، ليكون من أوائل القراء السعوديين الذين حملوا رسالة القرآن
الكريم خارج المملكة. ولم يكن هذا الاختيار وليد المصادفة، بل جاء ثمرة ما عُرف
عنه من علم، وإتقان، وحسن أداء، وهي الصفات التي جعلته محل ثقة في تمثيل المملكة
في تلك المهمة العلمية.
وتشير المصادر التاريخية التي تناولت سيرته إلى أن القارىء عبد الباسط
عبد الصمد استمع إلى تلاوته في مكة المكرمة، وأثنى على أدائه.
كما أثنى على تلاوته القارىء محمد محمود الطبلاوي، نقيب قراء جمهورية
مصر العربية، والشيخ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقارئ المصرية، وهي شهادات
تعكس المكانة التي بلغها الشيخ عباس بين كبار أهل الاختصاص في علم القراءات.
وتؤكد أن المدرسة الحجازية كانت حاضرة بقوة في المشهد القرآني
الإسلامي.
ومع كل هذه المكانة العلمية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف غاب اسم الشيخ عباس مقادمي عن الذاكرة العامة، رغم أنه من رواد
المدرسة الحجازية، ومن أوائل من سجلوا للإذاعة السعودية وإذاعة أرامكو، وممن حملوا
رسالة القرآن الكريم إلى خارج المملكة؟
لعل السبب يعود إلى قلة التوثيق، وندرة الدراسات التي تناولت سيرته،
وضعف الاهتمام الإعلامي برواد التلاوة الأوائل، رغم أنهم أسهموا في تأسيس مرحلة
مهمة من تاريخ الإقراء والتلاوة في المملكة العربية السعودية.
إن الحديث عن الشيخ عباس مقادمي ليس حديثًا عن سيرة قارئ متميز فحسب،
بل هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ القرآن الكريم في المملكة؛ مرحلة كان فيها
القرآن يُتلقى بالمشافهة، ويُعرف القارئ بعلمه وإتقانه قبل شهرته، وكانت الأصوات
الخاشعة تُصنع في حلقات القرآن، قبل أن تصنعها وسائل الإعلام.
ومن الوفاء لتاريخ المملكة العلمي والقرآني أن يُعاد إحياء سيرة هذا
العلم، وأن تُجمع تسجيلاته، وتُوثق شهادات معاصريه، وأن تُبرز المدرسة الحجازية
التي كان أحد أبرز أعلامها، حتى تعرف الأجيال الجديدة أن لهذا الوطن رجالًا حملوا
القرآن علمًا وعملاً وصوتًا، وأسهموا في بناء مدرسة سعودية أصيلة في التلاوة امتد
أثرها إلى العالم الإسلامي.
وفي شهر رجب من عام 1411هـ، الموافق لعام 1991م، انتقل الشيخ عباس بن
محمد الذويبي الثبيتي العتيبي - رحمه الله - إلى جوار ربه عن عمر ناهز 69 عامًا،
بعد حياة حافلة بخدمة كتاب الله تعالى، قارئًا، ومقرئًا، ومعلّمًا. ورغم رحيله،
بقي إرثه العلمي والصوتي شاهدًا على مكانته، ولا تزال تلاواته ومدرسته الحجازية
حاضرتين في ذاكرة أهل القرآن ومحبيه، ودليلًا على مرحلة مضيئة من تاريخ التلاوة في
المملكة العربية السعودية تستحق مزيدًا من التوثيق والوفاء.
رحم الله الشيخ عباس بن محمد الذويبي الثبيتي العتيبي، وجزاه عن كتاب
الله وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدمه من تعليمٍ وإقراءٍ وتلاوةٍ في ميزان حسناته،
وأبقى أثره حيًا بين رواد التلاوة في المملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي.


إرسال تعليق
نرحب بك في موقعنا ونشرف برأيك فرأيك يهمنا وفقك الله